سيد قطب

2166

في ظلال القرآن

وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) وقفنا في الدرس السابق عند استعراض آيات الخالق في خلقه ، وفي نعمته على عباده ، وفي علمه بالسر والعلن . . بينما الآلهة المدعاة . لا تخلق شيئا ، بل هي مخلوقة . ولا تعلم شيئا ، بل هي ميتة لا تنتظر لها حياة . وهي لا تعلم متى يبعث عبادها للجزاء ! وهذا وذلك قاطع في بطلان عبادتها ، وفي بطلان عقيدة الشرك كافة . . وكان هذا هو الشوط الأول في قضية التوحيد في السورة مع إشارة إلى قضية البعث أيضا . وها نحن أولاء نبدأ في الدرس الجديد من حيث انتهينا في الدرس السابق . نبدأ شوطا جديدا ، يفتتح بتقرير وحدة الألوهية ، ويعلل عدم إيمان الذين لا يؤمنون بالآخرة بأن قلوبهم منكرة ، فالجحود صفة كامنة فيها تصدهم عن الإقرار بالآيات البينات ، وهم مستكبرون ، فالاستكبار يصدهم عن الإذعان والتسليم . . ويختم بمشهد مؤثر : مشهد الظلال في الأرض كلها ساجدة للّه ، ومعها ما في السماوات وما في الأرض من دابة ، والملائكة ، قد برئت نفوسهم من الاستكبار ، وامتلأت بالخوف من اللّه ، والطاعة لأمره بلا جدال . . هذا المشهد الخاشع الطائع يقابل صورة المستكبرين المنكرة قلوبهم في مفتتح هذا الشوط الجديد . وبين المطلع والختام يستعرض السياق مقولات أولئك المستكبرين المنكرين عن الوحي والقرآن إذ يزعمون أنه أساطير الأولين . ومقولاتهم عن أسباب شركهم باللّه وتحريمهم ما لم يحرمه اللّه ، إذ يدعون أن اللّه أراد منهم الشر وارتضاه . ومقولاتهم عن البعث والقيامة إذ يقسمون جهدهم لا يبعث اللّه من يموت . ويتولى الرد على مقولاتهم جميعا . ويعرض في ذلك مشاهد احتضارهم ومشاهد بعثهم وفيها يتبرءون من تلك المقولات الباطلة ، كما يعرض بعض مصارع الغابرين من المكذبين أمثالهم ، ويخوفهم أخذ اللّه في ساعة من ليل أو نهار وهم لا يشعرون ، وهم في تقلبهم في البلاد ، أو وهم على تخوف وتوقع وانتظار للعذاب . . وإلى جوار هذا